التراث الإسلامي هو ثمرة قرون من الاجتهاد البشري في فهم النصوص الدينية وتنزيلها على الواقع. وقد تشكّل هذا التراث في سياقات تاريخية وثقافية ومعرفية مختلفة، وبأدوات كانت متاحة في زمانها و تجاوب على أسئلة كانت مناسبة لعصورها. ومع تغيّر الواقع، وتطوّر المعرفة، واختلاف أسئلة الإنسان وتحدّياته، تصبح مراجعة هذا التراث ضرورة فكرية ودينية، لا بهدف هدمه أو القطيعة معه، بل لفهمه فهمًا أعمق، وتمييز ما هو ثابت مما هو قابل للمراجعة والتطوير.
مراجعة التراث لا تعني مراجعة الدين نفسه، ولا التشكيك في القرآن، بل تعني مراجعة الفهم البشري للدين، بوصفه جهدًا تاريخيًا غير معصوم، قابلًا للنقد والتصحيح.
لماذا أصبحت مراجعة التراث ضرورة اليوم؟
الدعوة إلى مراجعة التراث الإسلامي لا تنبع من رغبةٍ في الجدل أو المخالفة، ولا من موقفٍ سلبي من الدين، بل من ملاحظة إشكاليات حقيقية ومتراكمة ظهرت بوضوح في الواقع المعاصر. ويمكن تلخيص هذه الإشكاليات في ثلاث دوائر كبرى مترابطة:
فجوة الواقع و التطبيق
تظهر الحاجة إلى مراجعة التراث بوضوح عند مقارنة منظومة الفقه التراثي بواقع الدولة والمجتمع وحياة الأفراد في العصر الحديث.
فعلى مستوى الدولة، تعتمد أغلب الدول ذات الأغلبية المسلمة اليوم على قوانين مدنية حديثة في مجالات الحكم والقضاء، ليس رفضًا للدين، بل لأن كثيرًا من الأحكام الفقهية التراثية لم تعد قابلة للتطبيق في إطار الدولة الحديثة، سواء في القوانين الجنائية، أو النظام السياسي، أو الاقتصاد، أو مفهوم المواطنة. .
وعلى مستوى المجتمع، تغيّرت القيم والأعراف بشكل واضح، خاصة في قضايا مثل العلاقة مع غير المسلم، ودور المرأة في الحياة العامة، دون أن يواكب هذا التحوّل فقهٌ قادر على التعامل معه بصورة منهجية ومنضبطة.
أما على مستوى الأفراد، فكثير من المسلمين لا يعيشون فعليًا وفق الفقه التراثي في تفاصيل حياتهم اليومية، بل يختارون منه ما ينسجم مع واقعهم، ويتجاوزون ما لا يجدون له مبررًا مقنعًا، وهو ما يخلق حالة من التناقض الداخلي بين القناعة النظرية والممارسة العملية.
صورة الإسلام في الوعي المعاصر
عند البحث في صورة الإسلام كما تُقدَّم اليوم، يواجه الباحث — مسلمًا كان أو غير مسلم — أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة، تتعلق بأحكام مثل:
• العلاقة بين المسلم وغير المسلم داخل المجتمع
• تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر
• قتل المرتد
• مكانة المرأة ودورها في الحياة العامة
ومع البحث، يكتشف أن كثيرًا من هذه التصورات موجود بالفعل في كتب الفقه والحديث التراثي، وقال بها فقهاء معتبرون، وما زالت تُدرَّس وتُدافَع عنها بوصفها “الإسلام”.
وهنا تتضح المشكلة: ليست كل هذه الصورة نتاج تشويه خارجي أو دعاية معادية، بل إن جزءًا معتبراً منها نابع من التراث نفسه، مما يجعل كثيرين عاجزين عن التوفيق بين هذه الأحكام وبين قيم العصر والضمير الإنساني كما يفهمه اليوم.
تشويه صورة النبي و القرآن و الله
في مرحلة أعمق من البحث، لا تتوقف الأسئلة عند الأحكام الفقهية فقط، بل تمتد إلى صورة النبي، وصورة القرآن، وصورة الله كما قدّمتها بعض كتب الحديث والسيرة والتفسير.
يجد الباحث تعارضًا بين الخطاب القرآني الذي يصف النبي بعلوّ الخلق، ويؤكد حفظ القرآن ويؤسس لتنزيه الله، وبين روايات ترسم صورًا مختلفة: تصوير النبي كمحبٍّ للقتال، أو نسب ممارسات تخالف النص القرآني الصريح، أو روايات تشكّك في اكتمال القرآن، أو تقدّم تصورًا جسديًا لله يتعارض مع مبدأ التنزيه القرآني: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
هذه الصور لم يصنعها الإعلام، ولم يخترعها خصوم الإسلام، بل خرجت من داخل كتب بشرية نُقلت وقدّمت لاحقًا على أنها تمثّل الدين نفسه، وهو ما يطرح سؤالًا جادًا حول المنهج الذي تعامل مع هذه الروايات، وحدود اعتمادها، وتأثيرها على صورة الدين في الوعي العام.
الخلاصة
مراجعة التراث ليست خروجًا على الدين، ولا تشكيكًا في الوحي، بل محاولة واعية لحماية صورة الإسلام، وصيانة مقام النبي، والحفاظ على الثقة في القرآن، وهي تقوم على التمييز بين النص المقدس الذي لا يُراجع، والاجتهاد البشري الذي نشأ في سياقات تاريخية معيّنة، وقد يصيب وقد يخطئ، ويظل قابلًا للمراجعة والنقد والتطوير.
كيف نراجع التراث؟
نرى أن مراجعة التراث لا تتم دفعة واحدة، ولا عبر مقاربات عامة ومجملة، بل من خلال مسارات متخصصة، يراجع كلٌّ منها مجالًا بعينه وفق منهج واضح، ومعايير منضبطة، مع إدراك الترابط بين هذه المجالات وتأثيرها المتبادل.
ولهذا يعمل الموقع عبر مسارات مستقلة، لكل منها هدفه و منهجه، مع فتح باب البحث و المشاركة المنهجية لكل من يرغب في الإسهام، وفق إطار عام يضمن الجدية والانضباط واحترام طبيعة كل مجال.
لماذا نراجع الفقه؟
الفقه هو المجال الأكثر حضورًا في حياة الناس، وهو أيضًا المجال الذي تجمّدت فيه كثير من الأحكام رغم تغيّر الواقع.
لماذا نراجع الحديث؟
لأن التوسّع في الأحاديث، وطريقة التعامل معها، كان له أثرٌ مباشر في بناء كثير من الأحكام والتصورات الدينية.
لماذا نراجع السيرة؟
لأن السيرة النبوية نُقلت في أغلبها عبر روايات تاريخية تحتاج إلى قراءة نقدية واعية.
لماذا نراجع التفسير؟
لأن كتب التفسير الأولى امتلأت بروايات وأخبار لم تخضع لمراجعة منهجية شاملة.
لماذا نراجع التاريخ؟
لأن كتابة التاريخ الإسلامي تمت في سياقات سياسية وفكرية أثّرت في الروايات والتفسيرات.