لماذا نراجع السيرة؟

السيرة النبوية هي الوعاء الذي تشكّلت من خلاله صورة النبي في الوعي العام، وهي في معظمها مبنية على روايات تاريخية منقولة، لم تُدوَّن في زمن الحدث، بل جُمعت لاحقًا عبر مصادر متعددة، وبمناهج نقل متفاوتة. ومع مرور الزمن، تحوّل كثير مما ورد في كتب السيرة إلى صورة ذهنية شبه مكتملة عن حياة النبي، وأفعاله، ومواقفه، وأسلوب تعامله مع الناس والخصوم.

ومع أن هذه السيرة تمثّل جهدًا بشريًا في حفظ الذاكرة التاريخية، فإن التعامل معها غالبًا لم يُميّز بوضوح بين ما هو ثابت قرآني، وما هو رواية تاريخية، وما هو اجتهاد في الفهم والتفسير.

لماذا السيرة؟

لأن كثيرًا من الروايات السيرية كان لها تأثير مباشر في رسم صورة النبي ودوره، وأحيانًا قدّمت تصورات لا تنسجم مع الصورة القرآنية له من حيث الخُلُق، والغاية من الرسالة، وطبيعة العلاقة مع الناس.

تعتمد كتب السيرة في جانب كبير منها على روايات منقولة، كثيرٌ منها وارد في كتب الحديث، أو مستمد من اجتهادات صحابة ورواة، ولم يُدوَّن بوصفه تاريخًا محضًا، بل بوصفه جزءًا من الفهم الديني العام. ومع تحوّل هذه الروايات إلى سرديات ثابتة عن حياة النبي، أصبحت الحاجة ملحّة لمراجعتها مراجعة واعية، تميّز بين المنهج النبوي نفسه، وبين التأويلات البشرية اللاحقة عليه.

أين تكمن الإشكالية؟

تظهر الإشكالية في السيرة النبوية في عدة نقاط رئيسية، من أهمها:

• الخلط بين الوقائع التاريخية والتفسيرات اللاحقة للأحداث.

• غياب معايير نقدية واضحة في التعامل مع الروايات السيرية من حيث الثبوت و الدلالة و السياق.

• إسقاط تصورات فقهية أو سياسية أو ثقافية متأخرة على أحداث وقعت في زمن النبي.

• تحويل الاجتهاد التاريخي إلى صورة مقدسة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

كيف نراجع السيرة؟

نرى أن مراجعة السيرة لا تعني نفيها أو إلغائها، بل قراءتها قراءة منهجية واعية، من خلال:

• قراءتها في ضوء القرآن أولًا، بوصفه المرجعية الحاكمة في فهم شخصية النبي ودوره.

• التمييز بين الحدث التاريخي، وتفسير الحدث، وعدم الخلط بينهما.

• عدم تحويل الرواية التاريخية إلى حكم ديني أو تشريع ملزم.

• إدراك السياق الزمني والاجتماعي للأحداث، دون إسقاط تصورات لاحقة عليها.