لماذا نراجع التاريخ؟

كُتب تاريخ المسلمين في سياقات سياسية وصراعية معقّدة، وغالبًا من منظور الغالب أو السلطة. ولم يُدوَّن هذا التاريخ في أغلبه بوصفه تاريخًا نقديًا مستقلًا، بل تداخل فيه السياسي بالديني، والوقائع بالتبرير، والاجتهاد بالرواية.

ومع مرور الزمن، لم يَبقَ هذا التاريخ في حدوده بوصفه سردًا للأحداث، بل تحوّلت بعض رواياته إلى تصورات دينية، وأحيانًا إلى مبررات فقهية، رغم كونها اجتهادات بشرية مرتبطة بظروفها التاريخية.

لماذا التاريخ؟

لأن كثيرًا من الأحداث التاريخية تحوّلت — بمرور الزمن — إلى مراجع للفهم الديني، أو مصادر غير مباشرة للتشريع، رغم أنها لم تُنتَج ابتداءً بوصفها وحيًا، ولا التزم ناقلوها دائمًا بالمنهج النقدي في النقل والتحليل.

كما أن مصادر التاريخ الإسلامي اعتمدت في جزء كبير منها على نفس القنوات الروائية المستخدمة في الحديث والسيرة، مما يجعل مراجعة منهج النقل والتدوين ضرورة لفهمٍ أدق للتاريخ، دون تحويل الروايات البشرية إلى حقائق دينية غير قابلة للمساءلة.

أين تكمن الاشكالية؟

تتجلّى الإشكالية في التاريخ الإسلامي في عدة مستويات، من أبرزها:

• غياب مصادر تاريخية محايدة يمكن المقارنة بها في كثير من الفترات، مع ندرة الآثار والوثائق المستقلة التي تؤكّد الروايات المتداولة.

• تديين الصراعات السياسية، وتقديمها لاحقًا بوصفها صراعات دينية أو شرعية.

• غياب القراءة النقدية لمصادر التاريخ، والاكتفاء بتداول الروايات دون تمحيص منهجي.

• الخلط بين الفتح بوصفه حدثًا سياسيًا عسكريًا، والدعوة بوصفها رسالة دينية.

• تقديم الوقائع التاريخية بوصفها نماذج مُلزِمة، بدل التعامل معها كتجارب بشرية قابلة للفهم والنقد.

وقد أدّى ذلك إلى تقديس مراحل تاريخية بأكملها، وتحويل الممارسة البشرية إلى مرجعية دينية.

كيف نراجع التاريخ؟

نراجع التاريخ من خلال فصله عن التشريع، وذلك عبر:

• قراءته قراءة نقدية تميّز بين الرواية والتفسير.

• التمييز بين القيم القرآنية الثابتة، والممارسات التاريخية المتغيّرة.

• فهم الأحداث في سياقها الزمني والسياسي، دون إسقاط أحكام لاحقة عليها.

• الامتناع عن تقديس الوقائع التاريخية، أو تحويلها إلى نماذج دينية واجبة الاتباع.