كثير من المسلمين يولدون وينشأون داخل بيئة تتبع واحداً من المذاهب الإسلامية، فيتلقون فهمهم للدين وتصوراتهم عن العقائد والأحكام والقضايا الدينية من منظومة لا تقتصر على القرآن، بل تضم إلى جانبه روايات وأقوالاً يُتعامل معها باعتبارها نصوصاً دينية يُستدل بها فيما يُنسب إلى الدين. وهنا يبرز سؤال يسبق البحث في مدى مصداقية ما نُقل إلينا: ما الذي يجعل كلاماً غير القرآن نصاً دينياً من الأساس؟ ويزداد السؤال أهمية حين نقرأ قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، في استفهام إنكاري يدعونا إلى التوقف عند معنى الإيمان بحديث آخر إلى جانب آيات الله.
والاختلاف في فهم الدين ليس مشكلة في ذاته؛ فمن الطبيعي أن يقرأ البشر النصوص بطرق مختلفة وأن يصلوا إلى أفهام وآراء متعددة، وهو ما يقبله أهل الفكر أيضاً. لكن السؤال يبدأ عندما تتحول بعض هذه الأفهام والاجتهادات إلى تصورات وأحكام تُنسب إلى الدين نفسه، رغم اختلاف المذاهب فيها، أو صعوبة التوفيق بين بعضها وبين نصوص قرآنية واضحة ومبادئها العامة، أو بينها وبين العقل وما استقر من المعارف العلمية. لذلك نحتاج إلى مراجعة الطريقة التي رُبطت بها الأدلة بالنتائج، والقواعد التي حَكمت فهم النصوص، والحدود بين الاجتهاد البشري وما يجوز نسبته إلى الدين.
الإصلاح والبناء لا الهدم
إعادة النظر في بعض المصادر والمناهج والنتائج التي ورثناها لا تعني رفض التراث أو البدء من الصفر. فقد تركت لنا أجيال من العلماء والباحثين جهداً هائلاً في جمع الروايات ودراسة اللغة والتاريخ وتفسير القرآن وبناء الفقه، وفي هذا الموروث معرفة وخبرة لا يمكن تجاهلهما. لكن الاستفادة منه تقتضي أيضاً التمييز بين القرآن باعتباره النص الإلهي، وبين الرواية والتفسير والفقه والتاريخ باعتبارها مجالات اجتهد فيها البشر وتظل قابلة للفحص والمراجعة.
والإصلاح في أهل الفكر لا يقوم على استبدال موروث قديم بمذهب جديد، بل على إعادة فحص الأدلة وطرق الاستدلال والنتائج، والاحتفاظ بما يصمد منها أمام النقد، ومراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، ثم البناء عليه في ضوء القرآن والعقل والمعرفة المتاحة اليوم. وما نصل إليه يظل اجتهاداً بشرياً يمكن نقده وتطويره كلما ظهرت أدلة أو معارف أقوى.
وينطلق أهل الفكر من أن كل إنسان مسؤول عن قناعته واختياراته بنفسه؛ فالقرآن يقول: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، كما يعرض موقف من اكتفوا باتباع غيرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. ومن هنا نرى أن حرية الاعتقاد شرط حقيقي لهذه المسؤولية؛ فلا يمكن أن يكون الإنسان مطالباً بأن يختار ويقتنع، ثم يُمنع من السؤال أو المراجعة أو الوصول إلى نتيجة تختلف عما ورثه. لذلك لا يهدف منهجنا إلى أن يصل الجميع إلى النتائج نفسها، بل إلى أن يكون البحث وبناء القناعة في إطار منهجي واضح، وأن تقوم المراجعة والنقد على الأدلة والمعايير القابلة للفحص، لا على الانطباعات أو مجرد الرغبة في مخالفة الموروث. وقد نختلف في النتائج، لكن تظل الطريقة التي وصلنا بها إليها واضحة، وكل نتيجة بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتطوير.